النويري

170

نهاية الأرب في فنون الأدب

وتخيّر لهم سوابق الخيل ، فإن [ 1 ] لقوا عدوّا كان أوّل ما تلقاهم القوّة من رأيك . واجعل أمر [ 2 ] السّرايا إلى أهل الجهاد والصبر على الجلاد ، ولا تخصّ بها أحدا بهوى ، فيضيع من رأيك وأمرك أكثر مما حابيت به أهل خاصّتك . ولا تبعث طليعة ولا سريّة في وجه تتخوّف عليها فيه ضيعة ونكاية . فإذا عاينت العدوّ فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك ، واجمع إليك مكيدتك وقوّتك ، ثم لا تعاجلهم المناجزة ، ما لم يستكرهك قتال [ 3 ] ، حتى تبصر عورة عدوّك ومقاتله ، وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها ، فتصنع بعدوّك كصنيعه بك . ثم أذك أحراسك على عسكرك ، وتحفّظ من البيات جهدك . ولا تؤتى بأسير ليس له عهد إلا ضربت عنقه ، لترهب بذلك عدوّك وعدوّ اللَّه . واللَّه ولىّ أمرك ومن معك ، وولىّ النصر لكم على عدوّكم ؛ واللَّه المستعان . وأوصى عبد الملك بن مروان أميرا سيّره إلى أرض الروم فقال : أنت تاجر اللَّه لعباده ، فكن كالمضارب الكيّس الذي إن وجد ربحا تجر ، وإلَّا تحفّظ برأس المال ؛ ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة ؛ وكن من احتيالك على عدوّك أشد حذرا من احتيال عدوّك عليك . وكان زياد بن أبيه يقول لقوّاده : تجنّبوا اثنتين لا تقاتلوا فيهما العدوّ : الشتاء ، وبطون الأودية . وكان قتيبة بن مسلم يقول لأصحابه : إذا غزوتم فأطيلوا الأظفار ، وقصّروا الشعور ، والحظوا الناس شزرا ، وكلَّموهم رمزا ، واطعنوهم وخزا .

--> [ 1 ] كذا في العقد الفريد ، وفى الأصل : « وإن لقوا . . . » . [ 2 ] في الأصل : « أهل السرايا . . . » والتصويب عن العقد الفريد [ 3 ] كذا في العقد الفريد ، وفى الأصل : « ما لم يستكرهوك القتال »